محمد أبو زهرة

207

المعجزة الكبرى القرآن

نبينه بعد هذا من اختلال ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف ، ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوز ، والتعسف ، وقد كان القرآن على طوله متناسبا في الفصاحة على ما وصفه اللّه تعالى به ، فقال عز من قائل : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 23 ] ، وقوله تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد وقع التفاوت ، وبان الاختلال . وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا ذكره . فتأمل تعرف الفضل . وفي ذلك معنى ثالث ، وهو أن عجيب نظمه ، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج ، وحكم وأحكام ، وإعذار وإنذار ، ووعد ووعيد ، وتبشير وتخويف ، وأوصاف وتعليم ، وأخلاق كريمة وشيم رفيعة ، وسير مأثورة ، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها ، وتجد كلام البليغ الكامل ، والشاعر المفلق ، والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور » . ثم يقول رضى اللّه عنه : « وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم ، وبديع التأليف والرصف ، لا تفاوت فيه ، ولا انحطاط عن المنزلة العليا ، ولا إسفاف فيه إلى المرتبة الدنيا ، وكذلك قد تأملنا ما تنصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة ، فرأينا الإعجاز في جميعها ، على حد واحد لا يختلف ، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتا بينا ، ويختلف اختلافا كبيرا ، ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة ، فرأيناه غير مختلف ، ولا متفاوت ، بل هو نهاية البلاغة ، وغاية البراعة ، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه » « 1 » . ويذكر الباقلاني أن من دلائل الإعجاز تفاوت كلام البلغاء في الوصل والفصل والانتقال من معنى إلى غيره ، وتقريب المعاني وتبعيدها ، وأن القرآن ليس فيه ذلك النقص الذي يعرو كلام البشر ، ويختلف قوة وضعفا في ضم المعاني وتفريقها ، والقرآن في ذلك النمط المتسق الذي لا يجارى . 121 - هذه أمور تقريبية تقرب معنى الإعجاز ولا تحده ، وتذكر بعض الأسباب ولا تتقصاها ، إنه ككل الأمور التي نحس بها ولا نستطيع تعرف دقائق أسرارها ، فهو كتاب اللّه الذي يعلم السر وأخفى ، ولكنا نقر بالعجز عن الإتيان بمثله لأننا ندرك علوه ،

--> ( 1 ) إعجاز القرآن للباقلاني .